الجمعة، 14 مارس 2008

الجرائم الإنسانية القابهابلية





لا أريد الحديث عن الإجرام من المنطلق العلمي ولا القانوني ولا كما ينظر إليه الكثير من المتخصصين في هذا الموضوع الشائك والمتنوع، بسبب تداخل العديد من العلوم في شرحه ودراسته، ولكن سأتطرق إليه من الناحية التي أراها تقلقني، بل وتقض مضجعي عندما أسمع مثل هذه الحوادث تقع في الأرض ويبقى الواحد منا ساكتا وملتزم السكوت كأن الأمر لا يهمه لا من قريب ولا من بعيد، لكن وبكل بساطة أخي في الإنسانية سأتطرق إليه من الجانب الإنساني الخالص.

فالجرائم لا تعد، بل وصلنا في عالمنا اليوم إلى درجة تقييم الجريمة بالوقت ، وأصبحت عندنا إحصائيات تقدر ، وأؤكد على كلمة تقدر، بشكل تقريبي فقط عدد الجرائم التي تقع في اليوم والساعة إن لم نقل في الدقيقة والأرقام مخيفة ، ولست من الذي يستغلون الأرقام لتمرير الخطاب وتهويل القضايا ولكم أحيانا تكون النتائج معبرة وتكون الأرقام صادمة، ومن كان يبحث عن الأرقام، فكثيرة هي المواقع التي تخصصت في هذا، ولن يضل ويتعب إذا رجع إلى هذه المواقع في الأنترنيت ليكتشف الأرقام المهولة والتي تختلف من بلد إلى آخر.

واقعنا المعاش المر

أخي في الإنسانية من أين سأنطلق في حديثي هذا؟ هل من الفرد أم من المجتمع أم من الأسرة أم الواقع سواء المحلي أو العالمي؟ أم سأتحدث عن الكل جملة أم أفصل.

الكيل طفح ، والقلب دمى، والعقل انشطر، والعين رمدت ، والأذن صممت، واللسان خرس، ولم يعد أمامنا سوى الغواية والسقوط في مستنقع الحقد والتسيب، أو الوقوف بحزم والرجوع إلى الضمير الإنساني الحي الصادق المخلص والمحب للحياة والناس وتحكيمه بين الخلق، والدفاع عن إنسانيتنا بالحكمة والموعظة والطريقة المثلى في الحوار والجدل ، بعيدا عن التقتيل والحراب واستفزاز الأخر وجره إلى العنف والشدة.

1__ واقع الفرد:

ماذا بقي للآدمي من الجرائم لم يقترفها ، ترى ما السبب ؟ هل هذا يعود إلى طبعه أم إلى تقصير منه أم إلى ضعف فيه؟ كل هذا قد يكون صحيحا جملة في بعض الجرائم ومفصلا في بعضها الآخر، لن أقوم بهذا التقسيم الآلي للجرائم، لكني سأركز على الذي يهمني كإنساني في هذا كله ، أين ترك الفرد منا إنسانيته وهو يقترف هذا الجرم الإنساني في حق الإنسانية؟ كيفما كان، الكتب السماوية هي التي تجيبنا عن هذا السؤال، وهذا موضوع آخر له مقاله ومقامه.

أخي في الإنسانية ، عندما تطغى الأنا وحب الذات تندحر الإنسانية، وتفقد مكانتها في النفس، فيتعطل العقل والقلب ، ويضعف الإيمان والحب ، ويتحول الإنسان إلى ذلك الكائن الفاقد لأحاسيس الإنسانية ، وبالتالي لن تؤثر فيه صور الجرائم التي ارتكبها، ولا التي ارتكبت في حق الإنسانية ،و هذه ضريبة الحضارة التي أسسناها نحن البشر على حساب الأخلاق والفضيلة والحب للناس والحياة للجميع، ونبذنا الدين الذي به تحي الأمم وتعيش في توازن تام وراء ظهورنا، وطغت المادة عن تفكيرنا واختيارنا، وأصبح الهامش الأساسي عندا هو الربح المادي الدنيوي المنحط الحقير ، والتفكير الضيق النفعي و المصلحي والبعيد عن حب الناس والإنسانية ، وأصبح هذا الفرد في خضم هذا أقرب ما يكون إلى "القابهابلية " قد يقتل أقرب الناس إليه من أجل شيء تافه دنيوي.

2 __ واقع الاسرة:

لا أحد يخالف، إلا من به جنة، أن الأسرة أعظم خلية جعلها الله لحفظ الحياة و الإستمرارية في الكون، وقد حثت الكتب السماوية على الحرص على سلامتها وتماسكها ، وتحريم كل ما من شأنه أن يمسها وسلامتها، وأي دين لا يدعوا إلى الروابط الإنسانية فهو دين مشكوك في صحة وروده من الله، بل لا يحق للناس أن يحترموه ولا أن يدافعوا عنه، فكيف بالقوانين الوضعية التي لا تهتم بالأسرة ولا تعيرها أي جانب من الإهتمام والعناية ، بل ومن القوانين من تدفع بالأسرة إلى الإنحلال والتمزق ، فتعتبر التقاليد الأسروية، والأعراف، والأخلاق، والقيم، والروابط، عوائق للتنمية والحرية والإنطلاق نحو التقدم والمساواة، وأن الإحترام الواجب الإمثتال له اتجاه باقي أعضاء الأسرة خاصة للكبير من الجد والجدة والأب والأم، بل ولباقي أفراد الأسرة عامة لا قيمة له، ولا يثير أي اهتمام ولا اعتبار في هذه النظم والقوانين الحالية، ولا حتي في المناهج التعليمية عند الأطفال والتلاميذ والطلبة، مما كان له هذا الإنعكاس السلبي الكبير على الأسرة وانحلالها وضعف دورها في التربية والتوجيه.

أخي في الإنسانية، لقد تطورت الحياة وتعقدت وأصبح واقعنا اليومي الذي نعيشه بمشاكله والصعوبات التي تحيط به يشكل واحدا من العوائق التي لا تساعد الأسرة في القيام بمسؤولياتها تجاه الأفراد والمجتمع.

نعم هذا صحيح، لكن ماذا فعلنا لهذه الأسرة لتسترد مكانتها ودورها في تنشئة مواطنين صالحين إنسانيين ؟ هل كلما وضعنا نظاما أو منهجا أو قانونا للحياة احتسبنا إلى الأسرة وراعينا وجودها وقيمها ؟ لا أعتقد ، بل أستبعد هذا ، واقع الأسرة الحالي سيء جدا، بل ومر في بعض الأحيان عند بعض المجتمعات.

لقد انحرفنا عن النهج الصحيح القويم الرباني الخالص والقويم والذي هو العلا ج الوحيد الذي لا محيد عنه للخلاص من هذه الأمراض التي تعفن مجتمعاتنا ، وتعكر حياتنا .


3__ واقع المجتمع :


ماذا تبقى من قيم الإنسانية في المجتمعات التي نعيشها؟ فبقدر تمسك المجتمع بالقيم الإنسانية ، بقدر ما يكون في منأى عن العديد من المشاكل التي تعاني منها باقي المجتمعات غير الإنسانية، وبالتالي يكون المجتمع الأكثر سلما والأكثر بعدا عن الإجرام والجريمة.

إن الصور التي يتلقاه الفرد منا في المجتمع الذي يعيشه والتي تكون قاتمة، تجعل التفكير في الجرم عنده بالأمر الهين والسهل، فيكون الوازع الرافض لها ميت، فلا حسيب ولا رقيب، ولا ناهي ولا منتهي، فتنتقل الجرائم إلى المستوى الأعلى عند الصفوة من المجتمع ، والجريمة عند هؤلاء يكون الوقع فيها أكثر شدة وخطورة على المجتمع والناس.

نعم كيف بالأحرى سيكون هذا المجتمع "وحاميه حراميه" كما يحل للبعض أن يقول، إن الراعي عند ارتكابه للجرم تطبق عليه العقوبة بالقدر الشديد والصارم ، وعن التغاضي عن جرمه يعتبر الخطر الأكبر بل هو الجرم بذاته، فبمن سيثق الناس، إذا فقدوا الثقة في الراعي، لذا على الجميع أن يعمل بحزم وصرامة ، كل في موقعه، على التمسك بالحق والقيم الصادقة الإنسانية وأن يعترف عند ارتكابه لمخالفة أو خطئ بكل صدق ويقر ولا يخاف، لأن ذلك من أكبر الفضائل، وسيذكر بالخير عند الناس بل وعند الله لأنه لم يخن أمانة الثقة التي وضعت فيه رغم خطئه .


4__واقع العالم:

عالمنا اليوم عالم الجريمة بالمعنى الصحيح للكلمة، لم تعد هنالك جريمة يمكن أن تخطر على بال الإنسان لم تقترف بعد في الواقع، بل علينا أن ننتظر ما هو أسوء من الجرائم العادية ، إنها الجرائم الأكثر إيذاء للناس و الإنسانية، فالعالم الذي تتقاذفه التيارات الفاسدة البعيدة عن الإنسانية والقيم والأخلاق الفاضلة، والعالم الذي تسيطر عليه غريزة الكسب والربح والمصلحة الفردية ، والعالم الذي بدأ يبتعد عن الرب وعن المثل الفاضلة، لن تنتظر فيه غير مثل هذه الجرائم البشعة، بشاعة انحرافه عن الحق والعدالة الحقيقية وحب الناس والحياة .

أخي في الإنسانية ، لم يعد العالم اليوم يميز بين ما هو جائز وما هو غير مباح فعله واقترافه من الأعمال ولو للضرورة مثلا ، فقد تباد المجتمعات وقد تدمر، بل وأحيان قد تسحق دول وأمم عن كامل، لا لشيء سوى باسم الحرب أو المصالح الخاصة أو الدفاع عن النفس أو القضاء على عدو، سميه ما شئت : من متطرف أو إرهابي أو غير ذلك حسب ما يحلوا للبعض أن يسمي، وما هي في الحقيقة إلا أسما ء وضعتموها أنتم والذين يحمون الفكر الإجرامي الهدام للإنسانية والحياة، لاتهمه حضارة ولا يهمه إرث إنساني، ولا يفكرون إلا في المادة والكسب النفعي الضيق، فيقترفون من الجرائم بوعي وغير وعي ما يجعل عالما الإنساني الجميل يتحول إلى بؤرة من الحقد والضغينة والحروب والنزاعات، لماذا تزرع هذه الأحقاد في الناس والمجتمعات بمثل هذه الدعوات، أين الحلم و التعقل والحكمة؟ لماذا لا يفكر القادة في جعل هذه الأرض ولو ليوم واحد بلا حرب ولا تقتيل، والله قد جعل بعض الشهور حرم، وحرم فيها القتل، نعم هل سنحلم بيوم بلا حرب ولا جريمة في حق الإنسانية؟ ويكون أكبر عيد للإنسانية جمعاء.


جرائم في حق الإنسانية


أخي في الإنسانية، لقد حدد علم الإجرام ، وبفضل العلوم الإنسانية التي تطورت، إلى وضع المقاييس التي بها يمكن تحديد المجرم واكتشافه وهذه المقاييس منها :
بصمات العرق ،والصوت، والأصبع،
بصمات العين والأذن، والشعر،
بصمة الحامض النووي، وغيرها.

وقد يكتشف العلم في المستقبل أشياء جديدة لتحديد هوية المجرم الحقيقي، لكن في الإجرام ضد الإنسانية يكون المجرم محددا، وقد يقول لك ها أنا ذا، لكن فعله الإجرامي يضع له من التبريرات ما يجعل الجميع يخيل لهم أنه غير إجرامي ، وهذا قد يكون بشدة إقناعه لك أو بقوته وتسلطه عليك فتداريه عن جرمه ، وقد يكون بجهلك للأمور ، أو بضعف إيمانك ويقينك في الحق، فتقترف الجرائم أمامك وأنت ترى، لكن في الحقيقة :

أنك أعمى لا ترى،
لأنك لو كنت ترى،
ما تركت الذي ترى،
فتمنع الذي ترى ،
وهل يستوي الذي يرى
والذي لا يرى.

جرائم على النفس:

إن لنفسك عليك حقا ، لكن أكبر جريمة للإنسانية على النفس أن تتبع هواها فيضلها عن حق والحقيقة، فيدفع بها إلى الطغيان فتشقى ،وتزيغ عن طريق الحق فتضل، وكم هي الأمراض التي تعاني منها النفس بسبب ما تقترف المدنية عليها بقصد وسوء تقدير للأمور، فعلى الإنسانية العمل على تقدير الصالح للنفس في ما هو مدني وحضاري وحداثي، حتى لا تميل وتنحرف عن الصواب.

لقد أصبحت الأرض غارقة في الطبقية بالشكل الذي أصبح فيها المحروم من الناس يشعر بالغل والحقد على الحياة بل وعلى كل شيء في الكون، لأن في اعتقاده أن العدل في الحياة أصبح عملة مستحيلة التداول و الإنتقام من الحياة هو السبيل لرد الإعتبار ، فتتحول سرائره نحو الجريمة وهو في اعتقاده ينشد الحق والعدالة، لكنه في نهاية المطاف قد غوى و زل .


جرائم على الجسد:

الجسد، ذالك الوعاء المؤقت الذي تسكنه الروح التي هي منبع الإنسانية وقوامها ، وهو عنصر من عناصر الكون والحياة ، والإنسانية مسؤولة عليه وعلى الحفاظ على سلامته وصحته، وهذه المسؤولية تتدرج حسب الوضع الهرمي الذي عليه المجتمع ، فالمسؤول الأول عن الناس هو الراعي الأول وعليه أن لا يبخل في حق أجسادهم وذلك بالتفكير في جميع الحاجيات التي يتطلبها جسد كل واحد من رعاياه ، وأهم رعاية بل وأول رعاية للجسم هي التنشئة السليمة الصحيحة , والخلو من أي أمراض وعلل وتشوهات خلقية بسبب مادي إنساني،لابد من حمية هذا الجسد ، والحفاظ عليه حتى عند الموت بكفنه وبدفنه وتكريمه كما حثت على ذلك الديانات الربانية الصحيحة .

أخي في الإنسانية أليس من العار أن تنتج هذه الإنسانية الأسلحة الفتاكة التي تدمر الإنسان بل وتمزق جسد الإنسان وتشوهه إلى درجة التفحم أو أكثر، أهل هذا هو ما استطاع العلم تحقيقه لهذه الإنسانية؟ هل هذا النوع من السلاح الذي يعتبره بعض ضعاف النفوس منا مشروعا أجازته الديانات السماوية وأقرته؟ حتى الأنظمة الوضعية التي أوجدها الإنسان بنفسه؟ إنه من العار على هؤلاء الإستمرار في إنتاج الدمار والفناء، أو ما يطلق عليه اليوم بأسلحة الدمار الشامل..أغيرها .

ألم يحن الوقت بعد إلى أن تتوحد الإنسانية كلها لتوقف هذا السباق المجنون على مثل هذا النوع من السلاح ، وتوقف استعماله ضد الإنسانية ضد الأبرياء من الناس ، ضد المستضعفين من الأطفال والنساء وغيره، إن أكبر الجرائم التي تقترف في حقنا ونحن عنها غافلون و لاهون تكون بتلك الأسلحة.


جرئم على العقل

لقد كرم الله الإنسان بالعقل ، وحباه بهذه النعمة الكبيرة والتي تميزه عن باقي المخلوقات ، هذه النعمة العجيبة هي التي أوصلت الإنسان إلى هذه المرتبة وجعلته السيد الأول في الكون وهو الذي يسيطر على جميع باقي المخلوقات التي جعلتها تابعة له وتحت إمرته، يفعل بها ما يمليه عليه ذلك العقل.

والعقل وعاء الحكمة والرشاد، ومنبع المعرفة والسداد، وميزان الكمال وعليه الإعتماد، و به نجتنب الفساد ، ولابد من الحرص على سلامته وحفظه، والرفع من قدره، بل وتمكينه، وجعله الفاصل القطعي للأحكام والشرائع في أمور الحياة والعيش وتحصيل المعرفة و العلم.

غير أن الإنسان عن قصد، وعن غير قصد أحيانا، يتسبب في تدمير هذه النعمة التي منحها الله له، وذلك عن طريق العديد من الأعمال وبمختلف الوسائل الطبيعية والمصنعة، وبل أحيان من الطرق التي يقصد بها إيذاء العقل مباشرة، ولن ادخل في تفاصيل هذه الأمور لكني سأشير إلى بعض منها وعلى رأسها المخدرات التي ينتجها الإنسان ويصنعها، وفي نفسه أنه يخدم الإنسانية بها، لكن في الحقيقة يدمر أهم عنصر فيها ، و كذلك المشروبات الروحية و ما تحدثه من أضرار على الإنسان، و بعض الأنشطة التي قصد منها إغراق الإنسان في الملذات واللهو وعدم التركيز بعقله في ما هو أفيد له والإنسانية، ألا يمكن اعتبار هذه الأمور جريمة في حق الإنسانية.

جرائم على الطبائع

وهذه الجرائم من الأمور التي لا يشعر بها الإنسان حتى فوات الأوان، كم قام الإنسان بقتل بعض الطبائع الحسنة وعوضها بطبائع سيئة تسبب الهلاك له وعلى رأسها مثلا طبيعة التدخين، فالشركات التي تنتج هذا النوع من المنتوج والذي يستهلكه الشباب اليوم وبشكل كبير، لها وزنها في صنع القرار ولها وزنها كذلك في الإقتصاد، بل لها وزنها على الصعيد العالمي، فمن إذن سيحمي الشباب من هذه الطبائع المرضية ، وعلى الجميع أن يعلم أن كل طبيعة سيئة تخلق تكون على حساب طبيعة حسنة تقبر، والعاقل منا من لا يتسرع في التطبع بالطبائع السيئة، ويستعمل العقل في وزن هذه الأمور.


جرائم على القيم

وما أكثر هذه الجرائم في حياتنا اليومية، و ما أتعسنا إن تركنا هذه القيم تضيع وتنمحي، ونحن عنها ساهون ملهون في القيم الحديثة والفاسدة والتي نطلق عليها نحن بمنطقنا المادي غير الإنساني بالقيم الحديثة للعصر الحديث، وعن أي حداثة يتحدثون، هل الحداثة في ترك الأخلاق و القيم الإنسانية التي كنا نتصف بها ، بل ويجب أن نبقى متصفين بها.

أين هي قيم التضامن و التآخي والتواد و التآزر و الإيثار ونصرة المظلوم و العفو والنبل والشرف والعفة؟ بماذا عوضت هذه القيم الإنسانية؟ وماذا تبقى منها ؟ وأين نحن من الشيم والوشائج التي أمرنا الله بها، لن أزيد عن هذا، حتى لا أكون ضيفا ثقيلا .

جرائم على الدين

لقد أصبح الدين من أرخص البضائع على الواقع اليوم، كل من هب ودب يتدخل في الحديث فيه بشكل حر، مستغلا الحرية التي ينادي بها الجميع اليوم ، حتى أصبح الدين الشماعة التي يلصق بها كل مشكل يقع في العالم اليوم، هكذا أصبح من السهل التجرؤ عليه والخوض فيه بدون حق، وبدون ترك ذلك لأهله والعارفين بأصوله وفروعه و بخباياه العقائدية والشرعية.

لقد أصبحت الكتب المقدسة التي كانت مثار التقدير والإحترام من الناس بدون تمييز تتعرض للإهانة والتحقير، ما لم ينزل به الله من سلطان، من طرف بعض الغوغاء الذين يعتقدون عن جهل أنهم يحسنون لكن في الحقيقة أنهم يسيؤون للإنسانية، كما أصبحت دور العبادات تتعرض للهدم و الإعتداء دون مراعات لمشاعر الناس وحقهم في احترام دور العبادات التي هي في الحقيقة ملك للإنسانية جمعاء ، حتى الرسل مست قدسيتهم من البعض منا بدعوى الحرية والتحرر، وهذا من أكبر الجرائم التي تتعرض لها الإنسانية بل ومن أخطرها.

أخي في الإنسانية، حذار من غضب الله عند الإسراف في الطغيان والخروج عن جادة الصواب، حذار من بطش الله، إنه شديد، وعلى الظالمين غير يسير، وقد لن يصيب فقط المسرفين، بل ويشمل حتى المطيعين.

السبت، 9 فبراير 2008

كل عام والإنسانية بألف خير

هـا نحن على أبوب السنة الميلادية الجديدة 2008، نسأل الله أن يجعلها أفضل من السنة الفارطة، بأن يعم السلم والسلام والأمن والأمان وأن تتحقق فيه سعادة الناس ويعم فيها الخير والرخاء وينقرض البؤس والشقاء ويعيش الناس في طمأنينة وحب وهناء.

لكن، ماذا تحقق في السنة التي مضت في مجال الإنسانية وحب الناس؟ قد يصعب الإجابة عن هذا السؤال في حينه لأن الأمر يتطلب الوقوف عن كل كبيرة و صغيرة من القضايا التي عرفها العالم وتقييمها من الناحية الإنسانية، هل كانت الحصيلة ايجابية أم لا؟ ماذا استفادت و ماذا خسرت؟ وما هي النواحي التي ضاعت فيه الإنسانية وخسرت؟ وأين هي الأمور التي كانت في صالح الإنسانية وتحققت؟ و في الأخير هل يحق لنا أن نقول إن الإنسانية بخير؟

لست من المتشائم المسود الأفق، ولا من الساخط عن كل شيء، ولا الرافض لأي شيء، ولا العبوس القمطرير، ولا الحاسد الناقم، ولا المتمرد البائس، ولا المحروم الحاقد، ولا المتطرف الشاذ. كما لست من المتفائل المبالغ في التفاؤل، ولا الغارق في الفرح السعيد بشقائه، ولا المتلذذ بكل شيء، ولا العابد لهواه العبثي في الحياة، ولكني من الذي يزن الأمور بموازن الحق، بعيدا عن الهوى والميول الزائد عن الصواب.

سأدل بدلوي في خضم هذا المعترك الحافل الصعب، فمن الناس من سيوافقني الرأي منهم من سيخالف، وفي كل خير إذا كان المقصود خدمة الناس والحياة، فالعيب ليس في الاختلاف في الرأي، بل العيب في عدم قبول الرأي الآخر وإقصائه، والتعصب للرأي الواحد والإصرار على إقصاء الأخر.

قبل هذا أقول أن العالم شهد هذه السنة تحولا كبيرا في العديد من المجالات العلمية والعملية المحمود أثرها على الناس والإنسانية، وقد لا يسعني الوقت إلى جردها، لكن الراغب في البحث فيها سيجدها في التقارير التي تضعها المنضمات المجدة في ذلك رهن إشارته، وكم يسعد الواحد منا وهو يطالع مثل هذه التقارير، فهو يسعد بسعادة الناس ويشقى بشقائهم، خاصة وأن تلك الأرقام تدفع إلى السرور و التفاؤل، لكن المبالغ في الفرح والتفاؤل بذلك سينسيه الجانب الآخر في المسألة وهي الإنسانية بصفة عامة.

أخي في الإنسانية، سأنطلق من رسالتي هذه في تقييم الوضع من الاقتصاد ثم السياسة وأعرج بالإجتماع وأختم بالقيم التي أعتبرها الهم الأكبر والخلاص الأنجع لجل المشاكل العالقة بهذه الأرض.

الوضع الإقتصادي المتردي

كم هي البرامج التي طرحت من أجل وضع حد للمشاكل التي تعاني منها الإنسانية، وكم هي المبادرات و كم هي الخطط وكم هي الخطابات وكم هي الرسائل وكم هي المقترحات التي قدمت سواء في المنتديات الدولية وغيرها، بل وفي أي فرصة عامة وخاصة يستغلها بصدق أو بغيره أصحاب الحل والعقد أومن لهم الشأن في ذلك، من أجل لفت الانتباه إلى القضايا الإقتصادية التي يعرفها العالم اليوم، لكن ماذا سنقول لضمائرنا إن كانت بالفعل حية، بل ماذا سنقول للرب رازق الكون و قد منحنا من النعمة ما لا يمكن حصره، فكم هي نعم الرب في هذا الكون: موارد الطاقة لا تعد، ومع ذلك الإنسان يعاني من الخصاص فيها، الموارد الغذائية الطبيعية منها والمصنعة جد متوفرة، والثروات عند جميع الشعوب موجودة، و التقارير لا تتحفنا سوى بتحسن الإنتاج هنا وتوفر الفائض هنالك، كل هذا بل وفي المقابل له نسمع التقارير تتكلم عن الفقر والفقراء، وعن الجياع والمحرومين وعن البطالة والمشردين، والصور القاتمة عن الوضع البئيس للناس تصلنا عبر الفضائيات من العديد من بقاع هذه الأرض.

أخي في الإنسانية كم هي قبيحة تلك الصور التي تصلنا عبر وسائل الإعلام للأطفال والنساء والشباب والشيوخ والعجزة من جميع أنحاء هذا العالم الجميل الغني بثروته التي حبا الله بها هذا الكون ليسعد بها الإنسان، لكن العكس نجد بل أحيانا تكون نقمة عليه، هذه إفريقيا مثلا الغنية بثرواتها وما تعانيه من ويلات الفقر والجوع، ماذا فعلت الصناعة والتقدم العلمي والتطور في الإنتاج وغير ذلك سوى زيادة الشقاء، ترف وغنى هنالك وفقر مدقع هناك، وما يترتب عن هذا من بطالة و هجرة غير مقننة، واستغلال للوضع من دوي النفوس المريضة الجشعة والراغبة في الغنى على حساب الآخر الضعيف.

الوضع السياسي المتأزم

السياسة وما تحمله من سحر أبدي في النفوس التواقة إلى الغد الأفضل للناس جمعاء، هذا المصطلح العام في مدلوله الشامل في مضمونه، هو مفتاح للعديد من الإشكاليات لو مورس بالشكل الأصح والسليم بعيدا عن الديماغوجية والنفاق، وقريبا من الحكمة والتعقل، و قام الساسة بكل ما يجب عليهم القيام به، وصدقوا في سياستهم مع أنفسهم ومع الناس.

لكن الذي نراه اليوم هو غلبة المصلحة الآنية و الخاصة والدفاع عن الفئة المحضوضة والمقربة، والتفكير القصير الضيق المحدود الأفق بعيدا عن تحقيق المصلحة العليا للإنسانية وتحقيق الرفاهية والعيش الكريم للجميع.

أخي في الإنسانية ماذا جنينا نحن بني البشر من هذه السياسات التي لا تعير للقيم الإنسانية أي اعتبار سوى الويلات والغم والهم، مازالت العديد من المجتمعات الإنسانية تعيش أوضاعا لا إنسانية بسبب ابتعاد ساستها عن القيم الإنسانية وسقوطها في السياسات التي يمليها الهـوى والأنا الأمارة بالسوء وحب النفس وتغليب المصلحة الدنيا والابتعاد عن هم الجماعة والسواد الأعظم من الناس، فأصبحت هذه السياسات تولد القهر الذي جاءت هي في الحقيقة لمحوه، تولد الاستغلال الذي جاءت هي للقضاء عليه.

أخي في الإنسانية إذا نظرنا إلى عالمنا اليوم وألقينا صورة له من الأعلى لن نرى سوى السواد الذي ينبعث من بؤر التوتر الكثيرة التي تزداد عوض أن تنقصها السياسة، كم هي النزاعات والحروب المشتعلة بين البشر هنا وهناك داخل هذه الأرض التي خلق الإنسان فيها ليسعد لا ليشقى، نعم حروب وحروب من أجل مصالح فارغة وبسبب سياسات كاذبة مغلوطة توهم بني البشر على أنهم يتصارعون من أجل مصالح عليا لكن في الحقيقة ليس ذلك سوى سراب وراء سراب، إن المصلحة العليا في الحياة السعيدة والآمنة والدفاع عنها ونبذ العنف و الإقتتال والحرب وقتل الأبرياء من الناس.

أخي في الإنسانية كم هي النزاعات المفتعلة والطائشة والتي بها ومن أجلها تسرف الأموال الطائلة من أجل التسلح والعمل على التدمير والفناء وقتل الحياة، فتهدر هذه الأموال عوض أن تنفق في التنمية الإنسانية، وتدفع في المجالات التي تخدم الحياة والبقاء لبني الإنسان، و ماذا أنجز هذه السنة التي ودعنها في هذا المجال، حري بنا أن نعترف نحن البشر أننا أسرفنا في القتل والتقتيل فيما بيننا، وحتى الشعوب الإنسانية بقت مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع لا ناهي ولا منتهي، عار على الإنسانية أن تتفرج في هذه المجازر التي تقترف بأسماء مختلفة، تارة من أجل الحق، وتارة من أجل ترسيخ الديموقراطية، وتارة بإسم الدين، وتارة بما يسمونه النيران الصديقة، متى سنكف عن هذا الإجرام بحق الإنسانية ونعود إلى رشدنا والى الصواب وإلى الحكمة، و نوقف أصوات الرصاص والتفجيرات وأنين المصابين ونعوش الضحايا.

الوضعية الإجتماعية الصعبة

لا يمكن السكوت عن الحالة المتردية التي تعيشها الإنسانية من الناحية الاجتماعية، فالكيل طفح، والصور القاتمة ببشاعتها يصعب صرف النظر عنها إلا إذا وضعة عليها إشارة "غير صالح لمن في قلبه درة حب للإنسانية"، حالة كرسها الوضع الاقتصادي المتردي.

لا نسمع هذه الأيام سوى بأمراض جديدة مستعصية العلاج تحصد الأرواح وتنتشر في المجتمعات الضعيفة بشكل أسرع وقد لن يسلم منها أي مجتمع إذا ما استفحل انتشارها وداع بين بني البشر وانتقلت إلى أوبئة تفتك بالناس والحياة، ماذا فعلت المدنية المتحضرة إلى الآن بخصوص الأوبئة التي مازال الناس يعانون منها خاصة الفقراء منهم في القارات الفقيرة، هل إن أمن الأغنياء وحموا مجتمعاتهم من تلك الأمراض وأهملوا إخوانهم في الإنسانية في باقي ربوع الأرض يكونوا قد قاموا بما يجب؟ لا وألف لا، بل خانوا الأمانة وفرطوا في الإنسانية.

لقد عان المجتمع الإنساني السنة الفارطة من العديد من الكوارث التي أصابته بسبب تصرفات بعضنا غير المحسوبة و المسؤولة في الأرض، أهلكت الحرث والنسل وأتلفت العديد من الخيرات، لكن التضامن الإنساني لم يكن بحجم ذلك الضرر الرهيب الذي أصاب الناس لأن المساعدات والإعانات تتحكم فيها عادة دواعي المصلحة والتبعية والولاء للقوي المالك للثروة والإمكانيات.

ومع ذلك فأن الخطر الأكبر الذي سيتهدد الإنسانية والنظام الإنساني من الناحية الاجتماعية هو انتشار الإجرام والجرائم المنظمة التي ستهدد الاستقرار والأمن الإنساني بصفة عامة وسيطال هذا المرض الخطير الحياة والمجتمعات بدون استثناء، خاصة إذا اشتدت شوكته وقوي نفوذه، وسأعود لاحقا إلى هذا الموضوع بمفرده.

القيم الإنسانية المنهارة

ماذا بقي من القيم الآن في مجتمعنا الإنساني الحديث أو"الحداثي"كما يرغب الجميع أن يصف به العالم اليوم، ترى، هل الحداثة هي محاربة القيم ونبذها؟ هل صحيح هي التي تتسبب في المشاكل والتخلف؟ هل الأخلاق والدين والثقافات الشعبية النبيلة هم عوائق التنمية والتطور؟

أخي في الإنسانية كلما رجعنا إلى الوراء واستقرأنا التاريخ إلا واستخلصنا أن الأمم القديمة انحطت بسبب تخليها عن القيم الإنسانية الفاضلة والشيم النبيلة التي كانت العملة السائدة بين المجتمعات الإنسانية و التي على رأسها الحق و العدل والفضائل الحميدة والدين الصحيح وطلب العلم والمعرفة واحترام الحياة.

لقد تراجع التكافل والتضامن في المجتمعات الصغيرة وأصبح الكل لا يهمه سوى مصلحته الخاصة، وانعكس هذا بشكل كبير في عالمنا الإنساني الكبير، وأصبح الرابط الذي يربط بين الأمم المنافع المادية بعيدا عن قيم والأخلاق والرابط الدينية والتاريخية، وإن أثيرت هذه القيم في الخطب وفي المناسبات الرسمية فهي فقط للاستهلاك الإعلامي وترمي إلى دغدغة العواطف الدبلوماسية التي لا تتعدى الورقة التي كتبت فيها، أو آذان المستمعين لها.

أخي في الإنسانية إن أكبر قيمة يجب على كل من يهمه أمر سعادة الناس في هذه الأرض أن يهتم بها ويدافع عليها هي إنسانية البشرية، هذه القيمة التي لم تعد تساوي شيء في بورصة قيم الحياة مع الأسف، مما جعل الناس يميلون إلى المغامرات و الحماقات من أجل تحقيق بعض من مآربهم الآنية دون أي اعتبار للقيم والأخلاق، فكثر الإجرام والانتحار وقوارب الموت والتمرد والتصعلك ونخاسة لحوم البشر وأعضائه، وبدأ الناس لا يعيرون للأبوة ولا للأمومة ولا للبنوة و لا للأخوة ولا للجوار ولا للصداقة إلا النفر القليل منهم و في بعض المجتمعات التي مازالت القيم عندهم تساوي الحياة.

ومع ذلك، فالكون جميل والحياة جميلة والأرض بألف خير مادام عباد الله الصادقين المخلصين في عبادتهم و المحبين للإنسانية والمدافعين عليها موجودون بها، وبهذا لن نبالغ إذا قلنا بأن الإنسانية ستكون بخير، وكل عام والإنسانية بألف خير.

الخميس، 15 نونبر 2007

الإنسانية المتغيرة

التغيير من القواعد التي تمشي على الحياة والكون ، وهو من الناموس الكوني الذي وضعه الله خالق هذا الكون كي لايحس الإنسان المخلوق الأسمى في الأرض بالرتابة ، وهو من الأدلة القاطعة التي تثبت بها ألوهية الرب في الكون ، فالتغيير قاعدة في الحياة له ارتباط بالتجديد والتطور، والمقابل لهذا التغييرالثبوت والسكون، وهذه الصفة لايتصف بها إلا العدم، وإن حصل التبوت في شيء فإنه من قبيل الإستثناء، وكل شيء قابل للتغيير، ، سواء بشكل إيجابي أو بشكل سلبي، والحكم في ذلك يبقى حسب النتائج، ومنذ أن خلق الله الكون وهو في تغير مستمر، والإنسانية تتعامل وتتكيف مع هذا التغير حسب الأحوال والظروف ، فمن الناس من يساير هذا التغير ويتابعه بالحكمة والعقل ، ومن الناس من يساره بالتقليد الأعمى، فيرتبط بالتنوع من خلال هواه ورغباته، ولايملي له هذا التغيربأي حكمة أوفائدة ، ومن الناس من لايساير الركب ويبقى بعيدا عن التطور الحاصل في الكون، ولايشمله التطورإلا بأثر رجعي، وهذه آفة الأمة المتخلفة عن ركب الحضارة، والمتقوقعة عن نفسها، فكي تكون فاعلة في التغيير، تبقى مفعولة بها، فيشملها التغيير بحكم القاعدة والأمر الحتمي، ولا تنفعل مع التغير في وقته وآنه، ومن الأمم التي تمتلك مفاتيح العلوم والتكنلوجيا و لها من الرصيد العلمي والمعرفي والتقني ما يجعلها تصل إلى حد التنبؤ بالتحول قبل الوقوع وأثنائه، مما يجعلها مواكبة للتغيير غير متفاجئة به، وبالتالي تكون الأكثر أمما منتفعة به عن غيرها والأقل أمما تضررا، إن كان للتغيير أثر سلبي علىالإنسانية.

وإذا رجعنا إلى الكون بأكمله ،وتأملنا في ماخلقه الله في البدء، وجعله مصدرا للحياة وأمارة للبقاء والإستمرار، نجد أن كل شيء في الكون يعبرعن الإستمرارية والتغيير، وأن صفة الكمال مرتبطة به وحده ، وأنه الوحيد المنزه عن التحول والتغيير ، وهذا التغير ينعكس على الإنسان حسب الأحوال والظروف، والكون و الإنسان هما المفعولان بهذا التغير، غير أن الإنسان فاعل من جهة ومفعول من جهة ثانية، وأما الكون فمحكوم بالتغير من دون إرادة، ولا يتفاعل مع التغيير، بل يشكله، وهو عنصر فيه ، والحكم لأمر الله في ذلك ، وأما الإنسان بحكم العقل والسلطة والخلافة في الأرض، فإنه يسبق التغير أحيانا ويتهيئ إليه قبل الوقوع، ويسايره ويداريه ، وذلك بتهييئ الأسباب والوسائل والعمل على مواكبة التغيير وجعله في خدمة الإنسانية وصالحها، وإن كان من نفع، عمل على تعميمه، وإن كان من ضرر عمل على حصره وتقليصه وحتى تجنبه، ونبه الناس الى آثاره السلبية على الحياة والناس، و بالتالي امتلك الريادة في ذلك.

وأسباب التغيير كثيرة و متنوعة :

منها ما هو مرتبط بأنشطة الإنسان، سواء الإيجابية منها والسلبية، فأي عمل للأنسان إلا وله أثره على الكون، و على التغيير فيه، وهذا التغيير يبقى رهين تلك الأنشطة ، فإن أساء الإنسان التصرف أفسد الحياة ودمر الكون وبالتالي كان التغير سلبيا، وإن أحسن العمل والتصرف كان التغير الى الأحسن، وهنئ به الإنسان وسعد.

ومن التغيير ماهو مرتبط بالحياة والبقاء، وهذا التغير يبقى الفاعل فيه هو الله وحده دون غيره والناس مسيرون فيه فيقع عليهم هذا التغيير بمشيئة الرب وحكمه في الكون ، وهذا التغييريدخل في ناموس الكون ونظامه ، غير أن الله منح للإنسان القدرة على الفعل والتأثيرفي الطبيعة الكونية والعمل على الإصلاح والتطور وحتى التغيير النسبي ، غير أن هذا أحيانا ينقلب الى طغيان وفساد إذا انعدم الضابط الأساسي للفعل الإنساني وهو الدين والعقل.

ونماذج التغيير في الكون والإنسان كثيرة، وقد بحث العلم في ذلك وأنجز العديد من البحوث وقعد بعض النظريات بفضل ما تيسر له بحكم التطور العلمي والمعرفي الذي وصل إليه الإنسان ، فأتبث العديد من أشكال التغيير في الكون والحياة والإنسانية، وبقدر الإستمرار في الحياة والبقاء بقدرالإستمرار في التغيير، والعقل والعلم يؤثران ويفعلان في التغيير، وأحيان يشرحانه ويكيفان الحياة اليومية معه، غير أن الإنتقال من الحياة الفانية الى الحياة البرزخية تغيير مصيري شامل و رباني ليس فيه مجال للعقل والإدراك الإنساني .

التغيير الإيجابي

أخي في الإنسانية ، إن تدبير التغيير الذي يعرفه العالم لايجب أن يكون تدبير إذعان ، بل يجب أن يكون تدبيرا عقلانيا، تدبير يقبل ويرفض ويصحح أحيانا، تدبير يمشي وفق الفضيلة والأخلاق، وفق القيم الدينية والإنسانية النبيلة وفق كل ما هو صالح للكون ومن فيه وللحياة، ويعمل على حفظ وبقاء النسل البشري، تدبير يجلب النفع والخير ويدفع الشر والمضرة.

ليس كل تغيير أو تغير وقع أو سيقع يجب على الإنسان مسايرته، فمنه الخبيث الضار الذي كانت آثاره على الحياة والإنسانية في غاية السلبية ، فعلى الناس في مثل هذه الحالة مقاطعة هذا التغيير ورفضه ، وعند الضرورة العمل على منعه، فكم هي العديد من الأشياء التي أصبحت اليوم عند الناس عادة وشيء مألوف وهو في الحقيقة عيب ومخالف لطبيعة الإنسان بل وضار بها، ويحسبه الناس من التغيير وهو ليس من ذلك بل من القلب أي المقلوب والشذوذ المخالف.

أخي في الإنسانية عليك الثبات على الحق،لا تجعل التغيير يستهويك ويبعدك عن الفضيلة ، فيغير الشيء الحسن فيك ، ويغير إنسانيتك، فيجعلك كالآلة في هذه الحياة ،بلا عواطف ولا أحاسيس ولا مشاعر، لاتغير القيم النبيلة فيك، لاتغير الشهامة والوقوف الى جانب الحق فيك، ولا تنسى أن الحق في إنسانيتك، لاتغير ويقيمك وإيمانك بالله، فلا إنسانية بدون إيمان بالله، ولاإيمان بدون عقيدة، ولاعقيدة بدون دين، ولاتغيير في الدين الحق، فهذه الأمور من الثوابت التي لايجب أن يشملها التغيير ولاالتغير .

كن حريصا على الحق والحقيقة ، على الأخلاق والدين ، فإنه سيأتي زمان ، وهو قريب جدا، سيتغير الإنسان ليس في الشكل ولكن في القيم والإنسانية، وستتحكم فيه الآلة، والقانون الذي سيفرض عليه هو قانون الآلة، وسيمشي حسب العد والضوابط المادية والمعلوماتية للآلة، وسيكون الحاسوب هو المحرك الحقيقي لكل شيء، وقد يختلط دوره في بعض الأحيان مع دور الإنسان، وقد يشمل هذا التغير في الأدور حتى بعض الخصوصيات التي هي من خصائص الإنسان وقدراته ، غير أن ذلك سيكون من قبيل المغالطة والغلو في تقدير الألة وتعضيم قيمتها والإعتماد عليها إلى درجة الإقرار بصحة كل ما يصدر منها حتى في بعض الأمور البعيدة عن المنطق والمرتبطة بالعواطف والأحاسيس والمعتقد، ولن يتأتى هذا إلا لضعاف النفوس والإيمان، والإيمان بالإنسانية هو المنقذ من هذا الغلو، وتصحيح القيم والرجوع الى الأخلاق السبيل الأمثل للخلاص، والتمسك بالدين الحق الطريق الأقوم للإنسانية الحقة، بل هو الفاروق بين الحق والضلال، فلاتغير ولاتغييرفي الأخلاق والقيم والمبادئ بل يجب التمسك بالفضائل الإنسانية الموروثة والراسخة في الشرف والنبل عند الفضلاء من الناس من الرسل والأنبياء والأولياء والصلحاء والحكماء والزهاد وأهل البر والتقوى وأهل العقل والرأي السديد والمحبين للناس والمدافعين عن الحياة والإنسانية الحقة كما أرادها وخلقها الرب
.

الجمعة، 5 أكتوبر 2007

السلطة الإنسانية


إن مصطلح السلطة يحمل في طياته سحرا ورهبة ، وقوتة تكمن في كونه يجمع بين هذين الأمرين ،والمالك لهذه السلطة إما عادل أوجائر، والعادل من أحسن العمل بها ، والجائر من أساء بها على نفسه وغيره، ولكل واحد من الناس له حدود المسؤولية في السلطة، وبقدر هذه الحدود يتحمل نصيبه فيها، وعليه أن يتيقن أن السلطة منه تمتد ، والعارف لها يتمكن منها، والناس في السلطة مراتب، أعلاها قيادة الإنسانية كلها، وأدناها سلطة النفس ، والسلطة قد تكون منحة من الله ، وقد تكون من الناس ، وقد تكون من النفس.

أما السلطة الممنوحة من الله للإنسان فهي الخلافة في الأرض ، وهي أرقى سلطة عند الإنسان ، والناس مسؤولون ومحاسبون في النهاية عليها، ولهذه السلطة أشكال ومراتب، ومن أشكالها السلطة على النفس و الجوارح، ومن مراتبها الإمارة والإمامة والنبوة وغيرها. وأما السلطة الممنوحة من الناس، وهي المسؤولية في الحكم والتسيير وتدبيرالشأن، وتوجيه العامة، وفرض القوانين، وبناء المؤسسات، والقيادة، وأما السلطة الممنوحة من النفس فهي السلطة الآدمية للإنسان، وبها يتصرف كبشر، ويعمل على تحقيق وإشباع رغباتة وحاجياته.

وهذه السلط تزداد وتنقص حسب شخصية الواحد وحسب قدراته، و ليس الناس على حرف واحد في ذلك ،فمن الناس من يسعى بكل ما أوتي من قوة لإكتساب السلطة بل وللسيطرة والتسلط، وهذا النوع من الناس ميال إلى الآدمية وحب التملك والتسلط على الغير وهذا مناف للأخلاق ومخالف للمبادئ والقيم الإنسانية، فالسلطة أمانة ومسؤولية وهي تكليف وأخذ على العاتق، وليست ترفا ولا تشريفا، والمرشح للسلطة يجب أن يكون قادرا عليها ومقدرا لها، وأن لايكون همه ورغبته في التحكم في رقاب الناس بل في إقرار الحق والدود عن الناس وحفظ إنسانيتهم و الوقوف الى جانبهم، ولن يتأتى هذا إلى بالرجوع الى الإنسانية .

والسلطة عبر التاريخ لها محطات كثيرة ومتباينة، العاقل يستخلص منها الحكم والعبر ، وقد عرفت الإنسانية نماذج من السلاطين، فمنهم الطغات، ومنهم الجبابرة، ومنهم الفضلاء والعادلين، ومنهم الإنسانيون والصلحاء، والكل يقود الرعية وفق ما يراه حق وحقيقة ، غير أن الأمرأحيانا يكون على خلاف ذلك، وقلة هم رجال السلطة القياديون الشرفاء ، والإستمرار في السلطة يسقط في الإستبداد في الغالب ، والخلاص في ذلك يكون بالتداول ، والحكمة الربانية قضت بذلك في جميع الإمور ، فمهما طال حكم الفرد فإنه آل إلى زوال ، غير أن التغيرقد يكون إلى السيء كما قد يكون إلى الأحسن ، والعبرة في الخواتم، وجور السلطان آل الى الزوال مهما عظم ، والسلطان العادل حكمه الإستمرار، وسقوط السلطان العادل يكون إما في ضعفه ، أو في كثرة الرعاع والجهلة في رعيته.

ومن المفاسد التي تهددالسلطة العادلة ، إذا فقد الناس إنسانيتهم وغلبوا شهواتهم على أخلاقهم، ومالوا إلى الجور لبعضهم، أو سكتوا عن الحق، وشهدوا بالزور، وكثر الراشي والمرتشي بينهم، عند ذلك يرفع سلطان العدل منهم ويحل محله سلطان الهوى ، وهذا السلطان يحكم فيهم بغير العدل والإنصاف، فيظهر الجور ويعم الفساد، فيعيش الناس عيشة ضنكا .

والتطور الذي لحق السلطة في عصرنا ، جعل القانون فوق الكل، والناس سواسي أمامه ، والسلطة تطبق وفق القرائن المادية، ومن ظهر فساده نال عقابه، وهذه القرائن قد تظهر وقد لاتظهر، والقوانين الوضعية لاتحمي المغفلين والسدج، وهناك من قد يتملصون من القوانين، ومن أحسن التخفي والتستر فر من العقاب، والأقوياء في الغالب يعرفون ويحسنون ذلك، وقد ينسل معهم الأذكياء، ومن فاته ركب ذلك بقي في الأسفل، فيقع عليه جور الأقوياء ولاسند له في ذلك إلا الرشوة والهدايا ، وهي قريبة من الأتاوي وسكوك الغفران التي كان الناس يقدمونها للأقوياء في زمن الطغاة ، زمن ابتعاد الناس عن إنسانيتهم، هكذا يكون لهذا التطورأثر عكسي،لأن مفهوم السلطة مفهوم مادي،و الحقوق تنبني على الحقائق المادية والملموسة ، والجانب الأخلاقي معطل أو شبه ذلك.

غير أن السلطة الحقة هي سلطة الإنسانية والناس أجمعين، فالكل سلطة، لأن أصل السلطة لله ،وقد حمل الناس هذه المسؤلية كل في موقعه وحسب قدرته ، وحتى لاتعم الفوضى لابد من اختيار قائد يتولى الإشراف على تقسيم المهام والسلط، ولايجب أن يفرض هذا القائد على الناس ، وأن لايدوم الى الأبد ، لأن الدوام من خاصية الرب الأحد، ولابد من تفريق السلط بين القياديين، وأن يكون على رأسهم المرشد، والمرشد لاتقدس سلطته، بل تحترم وتبجل، والأمر في النهاية للناس فالسلطة التي توافق الإنسانية وتدافع عنها هي السلطة الحقة، وغير ذلك ظلم وجور ومخالفة للحكمة الربانية وابتعاد عن مفهوم السلطة الحقة، سلطة الرب في الناس والكون.

ولهذه السلطة أشكال، وهي لاتخرج عن نطاقين أساسين: إما مادي وهوالأساس الأول، أو روحي وهو الأساس الثاني، وكلاهما يكمل الآخر، ولاتستقيم السلطة إلا بهما. فالأساس المادي يضم كل ما هو مادي في السلطة، ولايسمح بطغيانه ، لأن في ذلك مفسدة ، وهوما يعيشه العالم اليوم ، حيث طغت القيم المادية على النفس ، وأصبح الحق والصحيح مرتبط بالمادي ، والروحي جانب رماه الدهر وراء ظهره. والأساس الروحي هو الذي يشمل الجانب الفكري و الأخلاقي والنفسي والديني، وهذا الجانب أضحى غريبا بسسب عدم الإقبال عليه من طرف الكثير من الناس اليوم، وانشغالهم بما هو مادي صرف، وغربته هي التي قادت إلى التفكير بإحيائه بين الناس لأنه يشكل النقص في كمال حقيقة السلطة وتمامها.

إن السلطة الحقيقية بمفهومها الإنساني الأسمى هي سلطة الرب ،وهي التي ستسود في الأرض ،وتعطيلها راجع إلى ابتعاد الناس عن حقيقتها وانشغالهم بالجانب المادي من السلطة، وإرجاع العمل بها لايتحقق إلا بالمقومات الأتية :

الحب : ولابد من السلطة أن تكون مبنية على حب بين الراعي والرعية ، و أن يكون الحب متبادل بين الجميع، والكلاهما يقدر ويحترم الآخر .

التواضع : وهوسمة تجعل الناس يحبون القائد المسؤول ويثقون بمواقفه ويحسون بقربه، ولاتتحقق سياسة القرب إلا بالتواضع والتحلي بالنبل والفضيلة.

الإيثار : وهنا تكمن التضحية ويتجلى العزم على العمل لصلح الرعية وعدم الجري وراء المنفعة الخاصة، و الكسب الحرام.

الإنصاف : وهوإقرار الحق والدفاع عنه وانصاف المضلوم وإرجاع الأمور الى نصابها، وبسط الأمن والأمان وتحقيق العدل والمساواة .
الثقوى : وهو التدين والإخلاص في العمل لله، واعتبار السلطة التي تملكها ليست لأجلك وإنما هي لصالح الناس والإنسانية ، وهي أمانة من الرب في عنقك وعلى
عاتقك، وأنت مسؤول أمام الناس والتاريخ والله في النهاية

الأربعاء، 29 غشت 2007

الحروب الإنسانية

حقيقة الحرب

منذ القدم ابتلي بنوالبشر بهذه الظاهرة ، ظاهرة الحروب والصراعات والنزاعات والإقتتال ، وهذه الظاهرة ليست مقتصرة على الإنسان وحده بل هي غريزة في جميع
المخلوقات الكونية التي خلقها الله ، وقد عرفت الإنسانية العديد من الحروب والنزاعات ، كانت بلاء على الإنسانية وعلى الحياة وكلفت ما كلفتها من تدمير وإزالة ومحوللحضارات ، وعانا منها الإنسان ما عانا من الآلام ، وسفكت بسببها ما سفكت من دماء بشرية بريئة ، لكن حقيقة الحرب في نهاية الأمر لا مرد منها أحيانا لردع الطغاة ، وقهر العدوان ،وجبر المعتدي على التراجع والإستسلام والإندحار .

والحرب أمر مهول وخطير ، والإعلان عنه يجب أن لا يتخد بالسهولة والتسرع، بل يجب أن ينطوي على الحكمة والتريث، والتفكير في اجتنابه ما أمكن ، إلا عند الضرورة ، وأن يكون القيام به في نفس حجم المعتدي أو يزيد عنه حد الذي يجعله ينكفف على نفسه ويتراجع عن غيه . والحرب من الظواهر الإجتماعية التي يجب على المجتمع الإنساني أن ينظمها ويضبطها حتى لاتكون نتائجها خطيرة ووخيمة على الإنسان والأرض .

والحرب فيها الجانب الإنساني الشريف ، وفيها الجابب البهائمي الوحشي القبيح والمخز، وقدعلمنا التاريخ الإنساني بما قدمه لنا من النماذج في الحروب الشريفة والتي كانت تتسم بالمبارزة والمقاتلة وليس التدميروالتقتيل والقضاء على الحضارة والإنسان وغيرها من الحروب القذرة الشاملة الباطلة والمبالغ في رد الفعل بها.

إن الحروب اليوم رجعت بنا الى الحروب الأولى الموغلة في التوحش ، حيث كانت سمتها الضرب في كل شيء ، والقضاء على أي شيء ، بل القضاء على الحياة دون تمييز للمقاتل وغير المقاتل ، فكانت الأمم المغلوبة بعد الحرب تعيش في القهر والذل والإستعباد والمهانة دون مراعات للإنسانية ، و في المقابل المنتصر يصول ويجول دون وازع أخلاقي، يعبث في المجتمع المهزوم كيف يشاء ، وكانت السمة الغالبة في هذه الأفعال الإنتقام والتفشي .

والحرب إذا لم تتصف بالنبل والشرف والأخلاق فهي حرب قذرة وشقية وباطلة ، المنتصر فيها مغلوب ومهزوم لأنه فاقد للإنسانية ومتوحش وبهائمي لايفكر سوى في الإنتقام و الرد السلبي الضعيف .

وإذا تأملنا حرب اليوم ،نجدها حرب ويلات ودمار وهزائم ، فهي لم تحقق أي شيء للإنسانية قط، فقط أضافت بؤرا جديدة للتوثروالبؤس في العالم، وكلما انضافت هذه البؤر إلا وازداد التوتر في العالم ، وكلما ازداد هذا التوترفي الأرض ازداد معه الإبتعاد عن السلم والأمن والأمان في العالم، وبقدرما تخلق هذه البؤر وتزداد بقدر ما تروج سياسة الحقد وينتعش فكر الضلال والحقد ، وفي المقابل يخرس صوت الحق وتقيدالفضيلة ويلجم لسان الحكمة ، عندها يسود اللااستقرار،وينتشر الرعب والخوف من مجتمع إلى آخر بل ومن نفس إلى آخر، ويصبح الإنسان مقيدا ومهزوما لأنه دائم الخوف من الإنتقام ورد الفعل الذي لايميز بين الصديق والعدو والمهادن .

إن الشقاء الذي تعيشه الإنسانية اليوم سببه هذه الحروب التي بدأت تتكاثر في كل مكان من هذه الأرض ، وهذه الحروب عادة ما يكون محركها الأساسي الشيطان ، هذا الأخير لايجلب إلا الخراب والدمار ، فهو عدو الإنسانية ولا يسعى إلا في خرابها وشقائها وإفساد العيش و الهناء عنها ، والوسيلة الوحيدة المثلى عنده هي إشعال نار الحرب بين بني البشر ، وبقدر ما يستطيع إشعال هذه النار بين بني البشر بقدر مايكون قد نجح في ذلك بشكل كبير ، وبالتالي تتحقق له أمنيته التي يرغبها ويريدها وهي الإفساد في الأرض ، فالشيطان لما كان في حجر الرحمان وكان في صف الملائكة عصى أمر الله ولم يتقبل إنسانية بني آدم وأراد أن ينافسه في خلافة الأرض وسيادة الكون والإستقرار فيه وبنائه وإعماره وخلق الحضارة فيه والتي تجسد جمال الرحمان وملكه وعظمته، وبالتالي تقر بربوبيته وألوهيته.

لقد جادل الشيطان الله، بل الملائكة جميعا قبل تراجعهم وتوبتهم، لماذا كرم الإنسان وكلفه بهذه المهمة دون غيره من المخلوقات، وهل هذا الإنسان يستطيع إعمار هذا الكون أم أنه سيفسد فيه ويسفك الدماء ، وأنه سيتحارب وسيتقاتل ، لكن الحكمة الربانية أبت إلا أن يكون هذا الإنسان هو السيد في هذا الكون وهوالخليفة للخالق وهوالمسؤول في البناء والإعمار ، ولم يبقى لهذا الشيطان من حل لإفسادهذه الحكمة الربانية في منح مسؤولية الحفاظ على الحياة في الكون للإنسان سوى زرع الشقاق بين الناس وإبعادهم عن الرسالة المثلى والتي هم من أجلها وجدوا في الأرض ، وتحويل جهدهم إلى النزاع والحروب و الصراع والقتل والدمار عوض البناء والتشييد والإعمار ، ولن يتأتى له هذا إلا بالتفرقة بين الناس ودفعهم الى التعصب و العصبية، وهذا يخلق نتائج معكوسة غير صحية حتى في الحروب الشريفة، فالمقاتل الذي يقاتل سواء كان جنديا في جيش نظامي، أو محارب في مجموعة مقاومة أو مسلحة مدافعة عن حق مغصوب، أو فدائي متطوع من أجل الحق والحقيقة، أو غيرهم من المقاومين الشرفاء، أقول إذا كانت فيه عصبية وحقد على الآخر فإنه ليس من الإنسانية في شيء ، وليست الحرب التي يقوم بها حرب شريفة، بل شقية وقذرة.


الحروب القذرة

إن الحروب التي تتأسس على العرق وعلى التمييز بين بني البشر هي حروب متوحشة وبهائمية، تدمر الإنسان وتقضي على العرق البشري الذي من أساسه التنوع ، هذا التنوع الذي جعله الله يؤدي الى التشكل والإختلاف في اللون والعرق لا إلى التنافر والتنازع، فالناس بإنسانيتهم جنس واحد، كلهم من أصل واحد، خلقوا لهدف واحد، ومصيرهم واحد، ودورهم الأساسي واحد هو البناء والنماء في الأرض، لا الحروب وزرع الأحقاد.

إن الحروب التي تنبني على المصالح الضيقة والشخصية حروب قذرة غير إنسانية ، وهي صرف للجهود في أمور خاصة وشخصية ضيقة يستغلها الشيطان ويزينها لضعاف النفوس، فتصبح أكثر الحروب إنتشارا وهي في الغالب غير عادلة ولا منصفة ، هكذا يصبح الكون يغلب عليه قانون الغاب ، وتكون فيه الغلبة للأقوى ، والضعيف لامكان له، وإن عاش يبقىمقهورا مسلوب الحقوق .

إن الحروب التي يكون الدافع من ورائها الإختلاف في الرأي ،والرغبة في فرض الرأي الآخر بالقوة و العنوة، هي حروب ضد الفطرة الإنسانية التي خلق الله عليها الناس وجعلهم بعقولهم تختلف آراءهم ، والحكمة في ذلك الإختلاف البقاء والإستمرار والتطورللعقل البشري الذي هو مطية للرقي والتطور و النمو ، إن الذي لايقبل بالرأي الآخر عدو للإنسانية ، والذي يمنع حتى النقاش معه في الرأي جاهل ومتوحش وبهائمي ، لايسمع إلا لنفسه وتتحكم فيه غرائزه ، فالإختلاف في الرأي من مكونات الإنسانية بل ومن مقوماتها ، وكلما تعددت الآراء إلا وانتفعت الإنسانية بذلك ، وتحققت الحكمة الربانية في الخلق والتنوع في الكون ، ووقع التضارب في الأرض الذي هو النقاش والبحث والمقارنة بين الآراء وترجيح الأصح والأصلح للإنسانية .

إن الحروب التي أساسها الإختلاف في الدين حروب خطيرة وقذرة وشديدة ، وهي أشد الحروب إيداءا للإنسانية وقسوة على الإنسان ، فصراع الأديان أو الحروب المقدسة كما يحل للبعض أن يطلقها عليها من أخطر الحروب وأكبرها إن لم نقل أشرسها وأطولها، وآثارها تبقى عالقة و لاتبلى مع الوقت ومرور الزمان، لهذا يجب تحاشي وتجنب إشعال مثل هذه الحروب والعمل على إخمادها ومنع إشعالها بل ومنع الدعوة إلىذلك، وإقناع الناس بالتراجع عنها، وذلك إحياء لإنسانيتهم وإقناعهم بأن الدين كله لله ، وأن الدين الحق هو الأقرب للإنسانية وهو الذي يدافع عن الحياة والبقاء ويحافظ عن النسل والجنس البشري بل والبقاء على جميع المخلوقات الكونية والدفاع عنها .

أخي في الإنسانية لاتتورط في حرب أونزاع، وإن وقع ولم تجد بدا من حمل السلاح ، وكان ذلك هو الخيار الوحيد المتبقى أمامك، فليس عليك من شيء في ذلك، قاتل بشرف وحكمة لأنه من العار أن يموت الإنسان جبانا، وتجنب أن تكون آلة دمار تدمر كل شيء أمامها بدون تمييز، قاتل من يقاتلك وكن إنسانا وتذكر إنسانيتك وأحسن في ذلك، واعف واصفح عند المقدرة ،ولاتعتدي، ولا تتعدى حجم الضررالذي لحقك ، وادفعه عنك ، ودافع عن الإنسانية بالصبر والحكمة ، ولا تقتل الأبرياء من غير المقاتلين أو الحاملين للسلاح ، لا لقتل الأطفال والصغار فهم أبرياء، لا لقتل النساء والعجزة، لا لقتل المدنيين المسالمين، لا لهدم البيوت و المدارس والمنشآت الحضارية دينية كانت أو ثقافية أو مدنية ، لا لقتل الطبيعة وإحراق الحقول والأرض وتلغيمها ، فهذا كله مفسدة ضد الإنسانية، لا لهدم بيوت العبادة والمستشفيات وملاجئ المدنيين غير المقاتلين أو حاملي السلاح ،لا لقتل الأسرى والمستسلمين والتائبين ولا لقتل المعطوبين والمجروحين المصابين .
الحروب الحقيقية

أخي في الإنسانية إن الحرب الحقيقية التي يجب على كل شريف نبيل أن يشارك فيها ويدافع عنها هي الحرب الإنسانية الحقيقية وهي ضد كل شيء غير إنساني ، وكل عدو يحارب الإنسانية ويريد القضاء عليها ، وحقيقة هذه الحرب ،إنها ليست حربا واحدة بل حروبا مستمرة وعلى جبهات مختلفة ...

من الحروب الإنسانية الشريفة : محاربة الفقر ، هذا العدو الكبير الذي يهدد الإنسان في إنسانيته ويجعله يتنازل عنها من أجل آدميته فينتقل من إنسان إلى آدمي لايهمه سوى تلبية غرائزه الحيوانية وهي إشباع البطنة ، هكذا تسقط كرامته ويتحول إلى كائن همه الوحيد البحث عن الأكل والشرب والملبس بأي ثمن. إن الفقر الذي يعرفه العالم اليوم سببه في الأصل الإنسان نفسه، وبه يعيش العالم العديد من المشاكل ، لكن الفقر الحقيقي هو ذلك الفقر المركب والذي يجمع بين الفقر المادي والروحي وكلاهما خطير على الإنسانية بوحده، فمابالك إذا اجتمعا في نفس واحدة .

ومن الحروب الإنسانية التي يجب تعبئة الجميع لها هي الأوبئة الفتاكة والأمراض القاتلة ، فكم هي الأعداد البشرية التي قضت عليها الأمراض وقتلتها وكم هي العقول والأجساد التي ضاعت ورحلت بسببها ولم تستفد الإنسانية من عطائها ، وكم هي العاهات التي خلفتها الأمراض في الإنسانية ، وكم هم العجزة والمضرورين والمقعدين الذين يعانون بوطأتها بيننا، إننا لايمكن أن نسعد وبيننا الأشقياء الذين يعانون من الآلام والأمراض والأوبئة ، وإذا لم نحارب تلك الأمراض فإنها ستصيبنا كذلك سنتضرربها نحن لامحالة .

ومن الحروب الإنسانية كذلك التلوث، هذا العدو الذي يهدد الأرض وسلامة الحياة والإنسان في الكون ويشكل خطرا دائما ومتزايدا على جميع الكائنات لابد من توحيد الجهود من الجميع في العمل على الحد من خطورته واجتناب آثاره ، وهذا لن يتأتى إلا بتوحيد صف الإنسانية ضد جميع الأنشطة التي تتسسبب في تلوث الحياة سواء العلمية والحربية أو غيرها لمنعها أو على الأقل التقليل منها وضبطها وتنظيمها ثم التفكير في البدائل الصديقة للبيئة والرحيمة بهاوتشجيعها .

من الحروب الإنسانية محاربة الأمية ، فإذا كانت الأمية كمصطلح في مجال التربية والتعليم هو الجهل بالقراءة والكتابة ومحاربتها تكون بتعلمهما، وقد استطاعت العديد من المجتمعات المتحضرة القضاء على هذا المشكل بشكل شبه شامل بين أفرادها ، غير أن العديد من سكان هذا الكون مازالوا يعانون من هذا المشكل ، ويكون سببا كبيرا وراء عدم مسايرتهم لركب الحضارة الإنسانية ، غير أن التطور الذي تعرفه الإنسانية اليوم في العديد من المجالات بشكل سريع ومتزايد ودائم خاصة في المجال المعلوميات واستعمال الأنظمة الرقمية والحاسوب ، جعل من الأمي الحقيقي هو الجاهل بهذه التقنيات وكيفية العمل بها واستعمالها، فهذه الأمور ستغزو حياتنا اليومية وبشكل كبيروالمتخلف عن هذا الركب سيكون عائقا وراء اتساع انتشارها وبالتالي سيكون عائقا وراء تطور الإنسانية، فكم هي هذه الحرب طويلة ومستمرة ومفيدة، وفي نهايتها إنسانية.

من الحروب الإنسانية والتي يغفل عنها الكثيرون ولايعيرونها حقها من الإهتمام، محاربة الجهل والتخلف، والجهل الذي أقصده هنا الجهل الروحي ، وسببه انتشار الأفكار البدائية والخرافات ، وهذه الأفكار تجعل المعرفة الإنسانية حبيسة أفكار هدامة وباطلة بعيدة عن العلم والعقل وبعيدة عن المنطق والحقيقة ، وهي في غالبها أفكار شيطانية بائسة أساسها الشعوذة والباطل والدجل ، وعند انتشارها في المجتمعات تتراجع المعرفة والعلوم والتقنيات ، وبالتالي تنكسر الحضارة وتقف عجلة التطور و التقدم ، فعندما تختلط الأفكار الهدامة والخرافية بما هو روحي حق فإن ذلك يكون نهاية العلم والعقل وبالتالي يظهر الصراع بين ماهو روحي وعلمي فينقلب هذا الصراع الى حرب غير إنسانية لأنه انحراف عن الصواب، فالروح والعقل طاقتين متلازمتين في الإنسانية لاتستقيم الحياة إلا بهما .

من الحرب الإنسانية كذلك والخطيرة محاربة التطرف، وهذا الأخير من الأفكار الهدامة والباطلة وهو عدو الإنسانية ، والتطرف هنا الذي أقصده التطرف المخالف للفطرة الإنسانية والمناقض لها ، فهو دعوة للحروب القذرة الشقية الباطلة والضالة والتحمس المبالغ في ذلك غواية ونزغة من الشيطان ، وكما يسقط التطرف على الأفكار يسقط على المعتقدات وهو أشد وأخطر على الإنسانية، وهو باب من أبواب الشيطان يحرف الجهد الإنساني عن الحق والخير إلى الشر والغواية ، وهذا الشكل من الأمراض أفضل طريقة لمحاربته هو الإقناع والمحاورة ، والدفاع عن الرأي المعتدل وعدم إضعافه، وتمكينه في الأرض ونشره ، كل هذا يجب أن يتم بالحكمة والموعظة الحسنة واختيار الطرق الأنسب والأحسن، والإبتعاد عن التصلب والمواجهة.

ومن الحروب الإنسانية كذلك محاربة الحقد والضغينة وتحويل ذلك بزرع الحب والمودة والصداقة بين الجميع وعدم التعصب للأفكار الهدامة واجتناب الصراعات في الرأي والعرق واللغة واللون ، وزرع بذور التسامح والتصابر بين بني البشر ، واعتبار الجميع إخوة، وأن الناس واحد من الأصل، وأن الإعمار في الأرض هو الأهم .

ومن الحروب الأساسية كذلك محاربة الحروب القذرة والباطلة والهدامة وعدم التحمس لها ولا موالاتها ولا مساعدة ولادعم من يدافع عنها ، وإذا تعسر لك الوقوف في وجهها فإلزم الحياد في ذلك، فإنه الموقف الأصح في تلك الحالة ، إلا إذا كان الحياد سيؤدي الى نتائج معكوسة فإن الواجب الإنساني يلزمك الوقوف الى جانب الحق والفضيلة، هنا يجب عليك أخي الإنسان الوقوف بإنسانيتك الى جانب الجميع المظلوم والظالم ، فنصرة المظلوم تكون بتقديم العون والسند له والوقوف معه ، أمانصرة الظالم فبتقديم النصح له ودعوته بالرجوع عن ظلمه وغيه وجبروته ، وعلى صاحب الحق أن يعلم أن في التضامن مع أخيه الإنسان قوة لاتقهر لأن الله والناس وأصحاب الرسالة الإنسانية كلهم في نهاية المطاف معه.

إن السبب الكبير للحروب القذرة هو الشيطان وهو العدو الأكبر للإنسان والإنسانية ، وهوالسبب في بت الفرقة والشقاق بين الناس وبالتالي خلق وزرع الأحقاد والشر والتطرف والإختلاف السلبي الضدي في الأرض، لهذا يجب محاربته ومقاومته وعدم ترك الفرصة له ليسود العالم ويسيطر عليه ، فالأفكار الشيطانية هي التي تدفع إلى هذه الحروب، والذين يعلنون مثل هذه الحروب هم من الشياطين أو أولياؤهم ، فعلى أصحاب الرسالة الإنسانية التحكم والتريت في إتخاد مواقف نحو هذه الدعوات المتسرعة نحو الحروب والنزاعات القذرة المفسدة الباطلة والمبنية على الظلم والعدوان والإعتداء، فالفكر الحربي فكر هدام وضال، والحكمة تتطلب عدم التسرع في إعلانها ، ولابد في اتخاد مثل هذا القرار أن يكون هناك أكثر من صوت، وأن يتفق الجميع على ذلك، وأن تكون الجماعة الموكلة لذلك تضم الحكماء والعقلاء وأن يكونوا من كبار القوم وأكثرهم رزانة وأقلهم اندفاعا، وأن لايتخد القرارعند التعارض، وأن يكون التصويت سرا.

نداء

أخي في الإنسانية كفى من الحروب الهدامة الباطلة والمدمرة للإنسان والإنسانية ، كفى من الحروب التي أججت الأحقاد في النفوس وزرعت الرعب والويلات والآلام بين الناس جميعا، كفى من هذه الحروب القذرة، ولنقل
كلنا وبصوت واحد لا للحرب نعم للحياة ، وأن تكون كلمة
صادقة ومخلصة.

الثلاثاء، 10 يوليوز 2007

المعرفة الإنسانية


المعرفة الإنسانية هي مجموع المعارف التي يتلقاها الواحد منا منذ بداية إدراكه الى نهاية حياته ، و توقف المعرفة عند الإنسان يعني نهايته ، أو بداية النهاية، فالحضارات القديمة والتي أفلت أو انحطت كان سبب ذلك توقف معرفتها وتراجعه، والعلم مرتبط بطلبه، وتوقف طلب العلم بداية الجهل ، والجهل عدو الإنسانية، ولايحارب إلا بالمعرفة ، وأرقى المعرفة أن يعرف الإنسان حقيقته ، وإذا أدرك حقيقته أدرك الحياة ، وإذا أدرك الحياة أدرك سر تواجده ، وإذا أدرك هذا السر فهم رسالة وجوده ، والفهم بداية العمل على تأدية الرسالة ، وهو مرتبط بالمعرفة ، والمعرفة أنواع منها ما هو حسي، ومنها ما هو عقلي، منها ما هو فلسفي، ومنها ماولاترتقي الى المطلق من المعرفة.

فأما الحسية ، وهي مجموع المدارك التي يتلقاها الإنسان بحواسه، وهي المعارف الأولى التي تشكل رصيده المعرفي والثقافي ، وهي معرفة سطحية وبسيطة، وكانت قديما هي الأساس في الوصول إلى حقائق الكون ، وإن كانت نسبة الصواب تبتدئ بأكثر من الصفر ولاتتعدى الخمسين في المائة، وبها بدأ الإنسان في فهمه واكتشافه للكون وخالقه.

أما المعرفة العقلية فهي التي يكون أساسها العقل ، وهي المعرفة التي تعتمد على المنطق و على الحساب وتميل الى التجربة والإستنباط والسبر والتحليل ،وهذه المعرفة تكون قريبة من الصواب ، و تتراوح نسبة الصحة بين الخمسين إلىدون المائة، ولايمكن أن تكون كاملة لأنها نسبية، وهي تكملة للمعرفة الحسية، فالعين ترى الشمس كالقرص في الحجم لكن العلم أثبت أنها أكبر، ولون ماء البحرأزرق لكن في الأصل لالون له.

وأما المعرفة الفلسفية ، وهي التي تميل الى الرأي وأساسها البحث في الكون وعن الحقيقة بالتأمل واستعمال النظر وهي تجمع بين المعارف الحسية والعقلية والعلمية وتعمل على الإنتقال بها الى المطلق، وهذه المعرفة عادة ما تفتح الباب لإستعمال التأمل وتقديم بعض الإجابات عن الأسئلة التي تطرح والتي يعسر وجود الجواب عليها عند العقل ،وهذه المعارف تبقى نظريات قابلة للخطإ والصواب، وجامعة بين المعارف النسبية .

أما المعرفة القلبية ، وهي معرفة الخاصة من الناس وهم قلة، وهم الأكثر إحساسا بالناس ،والأكثر استشعارا لآلامهم وهمومهم ، وهم الذين يتعاطفون معهم ، ويتقاسمون الأفراح والغنى والثروة وكل شيء في الحياة مع غيرهم، ويشاركونهم همومهم وأقراحهم، وهؤلاء هم الذين توصلوا الى المعرفة الحقة ، حيث عرفوا أنفسهم ، وعرفوا إنسانيتهم ، وعلموا دورهم الأساسي في هذه الحياة وهو خدمة الناس والإنسانية والدفاع عنها، والعمل على تلقين ذلك للناس بدون تمييز وبدون مقابل، فقط أن يعم السلام والأمان، وتتحقق العدالة بين بني البشر ويسود الود والحب بين الجميع، ويعلم الجميع ان الناس كلهم واحد في الحياة، وأن الإنسان جزء من الكون، وأنه منه وإليه، بل الإنسان كون أصغر، والكون إنسان أكبر، وأنهم وحدة عظمى تتجلى فيهم عظمة الخالق الذي وهب الحياة لهذا الكون، وجعل الإنسان خليفته في الأرض، إنه التجلي الرباني في هذا الكون، غير أن هذه الكائنات لاتستطيع الرقي إلى المعرفة الربانية، وعندما تحاول ذلك تسقط في التناقض وتجانب الصواب، لأن قدرتها تبقى دائما محدودة ونسبية، ولن تستطيع الرقي بمعرفتها الى المعرفة الربانية، وإن تأتى هذا لبعض الذين اصطفاهم الله لذلك لايمكن أن يتأتى إلى الكل ، و المشكات التي يتوصل بها الخاصة منهم والذين اصطفاهم الرب لذلك هي النبراس الذي به تضاء الطريق للوصول الى الحق والحقيقة، وهؤلاء هم الرسل والأنبياء والعلماء والصلحاء، والإرث المعرفي الذي يقدمونه يبقى الشعاع الذي به يوجه الناس صوب الحق والحقيقة .

إن المعرفة التى نكتسبها بحواسنا أو بعقولنا ليست سوى صورا تقربنا الى الحقيقة، هذه الحقيقة التي تبقى مغلفة ومقيدة بكل ما هو بشري وآدمي، فيجعل النسبي هو الغالب عن المطلق البسيط والذي يتعسر إدراكه بالنسبي المركب، وكان البحث في الميتافيزيقا الأكثر شيوعا عبر مراحل المعرفة الإنسانية قديما وحديثا، وبقي هذا البحث حبيس مجموعة من التصورات والتي عادة ما يكون مصدرها المادي المحسوس ،أو مجموع النظريات التي استنبط العلم والتجربة صحتها وفاعليتها في التقريب بالمعرفة إلى الصواب وإلى الحقيقة ، وكان السؤال الأكثر طرحا و الأكثر بحثا وجدلا هوأصل ومصدر هذا الكون، وكانت الإجابات التي يتوصل إليها المتأملون عبر المدارس المعرفية المختلفة ؛ وإن كانت أحيانا تلامس جزءا من الحقيقة يزيد وينقص حسب المنهج المتبع وحسب الوسيلة المعتمدة ؛ تبقى دون الغرض المطلوب لإشباع الرغبة المعرفية عند الإنسان ، هذه الرغبة والفضول المعرفي الذي يتغدى بالطاقات التي يختزلها الإنسان من الحسية والعقلية والروحية، وهذه الطاقات تجعل قطار المعرفة في سرعة متزايدة لايمكن أن يتوقف، والأسئلة التي يطرحها العقل البشري لاتنتهي أبدا، وبقدر ما تتسع مدارك الإنسان ومعرفته بقدر ما تزداد الأسئلة التى لايجد لها جوابا وبالتالي يكون ذلك منفذا لطرح أسئلة جديدة، والأجوبة التي يتوصل إليها الإنسان تصبح حلقة جديدة تنضاف الى سلسلة المعرفة الإنسانية وتضمن الإستمرارية والتطور لها.

غير أن هناك معرفة باطنية حقة أوأكثر قربا من الحقيقة لايصل إليها الحس ولا يدركها العقل، وقد يعتبرها أصحاب المعرفة الحسية أو العقلية ضربا من الخيال أو البحث في ما هوغير موجود ، أوبعيد المنال ، أو هو من الخرافات والأساطيرالتي لايتقبل المنطق ولا العقل الإقرار بها، غير أن عدم توصل الحواس أو العقل إليها لايعني عدمها بل أن هناك طاقة خفية وقوية لها من القدرة ما لايمكن للعقل ولا الحس إمتلاكه ، وهذه الطاقة هي الطاقة الروحية الباطنية التي يمتلكها كل واحد منا، وهي خارقة وقوية ، وقوتها تزداد اتساعا كلما تمكن الواحد منا من اكتشافها ومعرفتها وإدراكها، وهذه الطاقة الروحية هي القادرة على سبر واكتشاف هذه المعارف وجعلها في المتناول ، هذه المعارف هي عادة عبارة عن تجارب أو وصفا لحالات مر بها ذلك الإنسان الذي يرى بروحه ما لايراه به غيره بحواسه وعقله، وأصحاب هذه الطاقات ، ورغم قلتهم إلا أن تأثيرهم في المجتمعات الإنسانية يكون قويا.

والسر في هذه المعرفة يكمن بالخصوص في التخلص من القيود المادية التي تتحكم في قدرة الإنسان على استكشاف العالم الفوق مادي ، حيث يسبح العارف في الملكوت الأعلى بعيدا عن الأفكار و الصورالتي تقيد طاقاته، عندها يستطيع التوصل الى حقائق الخلق والكون بشكل جلي، وهذه المعرفة إذا لم يتمهل الواصل إليها في شرحها أو تبيانها فإنه سيسقط في التناقض أوالخلط بين ما هو مادي وما هو روحي، فيحكم الناس عليه بالجهل أو الجنون، وهذا حسب منطقهم، لكن واقع الحال أن الرجوع الى الآدمية في إصدار مثل هذه الأحكام والتسرع في تفسيرها هو السبب في هذا الخلط.

إن الإنسان كلما ارتفع وارتقى بنفسه وتخلص من قيوده الآدمية انتبه وزالت الغشاوات التي هي صور دنيوية حاجبة للرؤيا عنده، عندها يستفيق ويتطلع إلى ما هو أعلى وأرقى وأجمل، فتظهر له الحقائق الربانية و النورانية والتي بها يتواصل مع العالم العلوي ويرقى إلى مرتبة الكمال،ويتأتى هذا من خلال حالتين وهما :

الحالة الأولى - وهذه الحالة لايصلها العامة من الناس إلالماما عند النوم وعن طريق الأحلام الإجابية وليس الكوابيس الشيطانية ، فينتقل الإنسان من المعرفة النسبية إلى المعرفة المطلقة وذلك لحضة سكون عالمه المادي الآدمي .

الحالة الثانية – عند الموت،وهذه المرحلة إجباريةوتابتة، فيها ينتبه الإنسان الى الحقيقة الكبرى فيرى ما لايمكن تصوره في الحياة ،فيظهر له كل شيء عكس ما كان يتصوره في الدنيا، فيراجع شريط حياته كله ويحكم عليه، فيكون الحكم من صنف كسب أفعاله وإنسانيته في الحياة الدنيا، وما خلفه للناس من إرث ورأسمال.
هنا أصل الى أن الناس نيام إذا ماتوا إنتبهوا، فالموت، الذي هو نهاية عند البعض، بداية الحقيقة المطلقة ، وهذه القولة وإن جاءت من أهل التصوف التأملي ، فإن نسبة الصحة فيها قريبة من الحقيقة المطلقة ، فالأرض مرتع الغفلة عن الحق والصواب ،وقد يميل الإنسان نحو الملذات والشهوات فينغمس فيها بدون رقيب ولاحسيب، فيتيه في دروب الهوى والغواية حيث يتصور كل فعل يقوم به صح وحق له، وهو في حقيقة المطاف يؤدي نفسه، ويؤدي غيره، بل يؤدي الإنسانية جمعاء بالأثر الذي سيترتب على أفعاله، والمعرفة الروحية هي الميزان الذي يقيم به سلامة المعرفة واقترابها مالإنسانية، وهي معرفة نسبية، ن الحقيقة التي ليست في النهاية سوى خدمة الناس والإنسانية ، فكل معرفة أو علم يسعد
الناس ويخدمهم حق هو روحي وهو أرقى المعارف وأقربها الى الحقيقة ، والكل يشمل المعرفة
.

الخميس، 21 يونيو 2007

الرأسمال الإنساني


من الطبيعي عند الناس الإهتمام بالإقتصاد كغيره من المواضيع التي تتير الفضول المعرفي اليوم ، وبشكل أخص كعلم يهتم بالعيش الفردي والجماعي ويؤثر في نمطه، والرأسمال من بين أهم مواضيعه وهو مرتبط بالثروة كيفما كان مصدرها ، غير أن الرأسمال الحقيقي عند الإنسان إنسانيته وليس ماله ولا ثرواته ولا إمكانياته ،وكما أن الناس يسعون الى الحفاظ على الثروة، فإن الإنسانية أجدر بذلك. فما هي السبل التي يمكن بها الحفاظ على هذه الثروة وتنميتها، وحتى ربما تصديرها الى الآخرين .

كم هي الأموال التي أنفقت في سبيل البحث والتنقيب عن الثروات الطبيعية والباطنية عند الناس ، وكم هي البحوث والدراسات التي أنجزت في سبيل ذلك ،فالمكتبة الإنسانية غنية بشكل كبير بمثل هذا، والأمم تطورت بشكل كبير بسبب هذا ، والحضارة المعاصرة الحديثة ارتقت الى هذا الأوج من الرقي، بل وهي في زيادة، بفضل هذا ، لكن هذا كله تطور و تقدم ورقي من الناحية الشكلية فقط ، لكنه في الجوهر يظل زائفا وفارغ روحا، بعيدا عن تحقيق السعادة المثلى للإنسان في عالم اليوم.

فالإنسان كائن حي ، نعم حي بإنسانيته حي بأفكاره ،حي بمعرفته ،حي بعلاقته مع الأخرين أمثاله ، وحي مع علاقته بباقي الأحياء ، حي مع الأرض التي يدب فيها ، حي مع الكون كله ، حي مع العالم المرءي والخفي ،هذا الكائن محكوم بالإنسانية التي هي أساس تميزه عن الآخرين من المخلوقات ، وهي رأسماله الحقيقي الأمثل الوحيد ، فالإنسان لايقاس بالأموال التي هي تحت إمرته وتصرفه ،ولا السلطة التي يمتلك العمل على تحقيق الحق بها، ولا المعرفة التي هومسؤول على تلقينها للأخرين، ولا غير ذالك ، بل يقاس بدرجة خدمته للإنسانية جمعاء ،و يقاس بقدر عطاءاته للناس ومايقدمه لهم مما جعل عليه مسؤولا ومستخلفا .

إن الإستثمار الحقيقي ليس في الأموال ، ولا في الثروات كيفما كان مصدرها ، بل في الإنسان ، والذي بدأ البعض تجاوزا يطلقون عليه مصطلح: المورد البشري ، وإن كنت دائما من المتحفضين كثيرا من هذا المصطلح لكونه يركز في الإنسان على الجانب الآدمي دون الجانب الإنساني المهم فيه ، فالدراسات التي تهتم بالتدبير في الموارد البشرية ، والسياسات التي تهتم بالتنمية البشرية، تفكر فقط في الجانب الآدمي عند الإنسان، وتركز على الحاجيات المادية له والمعرفية ، ولايهمها سوى مايحققونه به من ريع، ومايقومون به من عمل ويؤدونه من خدمة، على أن هناك جانب مهم لابد من الإهتمام به ومراعاته ، إنه الجانب الإنساني الذي يكون له الأثر الكبير على الحياة عند الفرد سواء الخاصة أوالعامة أو المهنية .

كثيرا مانسمع بتدبير الموارد البشرية وما تقدمه من حلول للمشاكل وتعمل على وضع سياسات للرفع من المردودية داخل المؤسسات، ونسمع بالتنمية البشرية وماتقدمه من سياسات من أجل الرفع من المعانات التي يعانيها بنو الإنسان في هذه الأرض بسبب التوزيع الغير العادل للثروات التي حبى بها الله الإنسانية جمعاء ، كل هذه الحلول وغيرها وإن كانت مهمة ولها من الآثار الإيجابية ما يزيل المعاناة و الفاقة عن الناس ، فإنها تبقى نسبية ولابد من مرافقتها بما هو ضروري وأساسي في الحياة الإنسانية وهو زرع وإحياء الوشائج الإنسانية بين الناس وجعلهم شركاء في كل ثروات هذه الأرض بدون استثناء.

أخي فكر في أخيك الإنسان وفي علاقتك معه ، سواء في السكن الذي تشتركه معه، أو في الحي الذي تقيمان فيه معا، أو في الطريق الذي تسلكانه للوصول إلى مآربكم، أو في العمل الذي يجمعكم ، والذي أنتم مسؤولون على القيام به أمام ضمائركم وأمام الناس في الحياة وأمام الله. علم نفسك أنكما معا واحد ، وأنكما الثروة الحقيقية لاالثروات الأرضية لأنها كلها فقط مسخرة لكم لإكتشافها واستغلالها من أجل العيش السعيد لكافة بني الإنسان ، فالناس شركاء في المال وكل ماهو مادي في هذه الأرض ، تجمعهم رابطة الإنسانية وتوحدهم جميعا على فعل الخير والعمل عليه ،ليس الخير في الصدقات التي يتصدق بها الواحد منا ، وليس فيما تجود به النفس للغير مما فضل عليها ، لأن هذا يجعل النظرة للغيرعلى أنه أدنى، لا تنظروا لغيركم على انه أدنى منكم أوأقل ثراءا فالثروة هنا ليست المال ولا السلطة ولا الجاه، وإنما الثروة في الرأسمال الإنساني الذي يمتلكه الشخص ويعمل به لصالح الإنسانية.

فالملكية في الشيء هي ملكية نفعية ، وإن تنفع الإنسان بها فلابد أن تنتقل تلك الملكية للآخر ، هذا الآخر قد يكون الوريث القريب كالبنت والإبن والزوجة والوالدين والأخ والأخت...،وقد يكون الوريث الإنساني وهم الناس كافة ، والناس لايرثون إلا الصالح من الأعمال التي نقوم بها نحن بنو البشر ، فبقيامنا بتلك الأعمال الصالحات نحقق السعادة لأجيالنا ، لأننا نورثهم العمل الصالح ، ونقدم لهم المثل الأعلى في ذلك ، وبقدر مانهتم بالمنفعة الضيقة والشخصية ونورثها للغير ، ينتهي المطاف بذلك الى الصراع على المصالح الزائفة، وتظهر الحروب والأحقاد ، ويشقى الإنسان بذلك عوض أن يسعد ويهنأ، فالرسل والأنبياء والصلحاء والعلماء كلهم ورثوا الإنسانية الصالح من الأعمال والتي تخدم الناس في حالهم ومآلهم ، وتجعلهم إخوة متضامنين ومتحابين، ولم يتركوا لهم الأموال ولا الأشياء المادية، فهي متاع وفي المتناول تحقيقها إذا كانت هناك إرادة حقيقية وعزيمة قوية ، وأن أهميتها لايمكن إغفالها ولانكرانها ، غير أنها ليست الرأسمال الحقيقي عند الناس ولا بها تقاس الثروة، فالأخلاق والفضائل والأعمال الصالحات باقيات ببقاء الإنسان، وحافظات على سر الحياة والحكمة في الإستخلاف في الأرض والحفاظ عليها.